Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
1 septembre 2016 4 01 /09 /septembre /2016 21:31
الدكتور منصف عبد الحق

الدكتور منصف عبد الحق

الدكتور عبد الله الطني

الدكتور عبد الله الطني

التجربة الصوفية أفقا للامتداد:

قراءة في أبعاد التجربة الصوفية

لدى الدكتور منصف عبد الحق

د. عبد الله الطني*

 

تقديم:

لا أريد لقرائتي هذه لمنجز الباحث المغربي عبد الحق منصف الموسوم ب "أبعاد التجربة الصوفية: الحب – الإنصات – الحكاية"(1) أن تكون قراءة تفكيكية بالمعنى الأكاديمي الصرف، وإنما أردتها أن تكون قراءة تستجيب لخصوصية قراءة الباحث نفسه لهذا المستوى من التجربة الإنسانية الضاربة في المغايرة من حيث هي ممارسة سلوكية، والمكثفة في لغتها من حيث هي تعبير، وفي الوقت نفسه من حيث هي إبداع وأفق لكينونة أكثر اتساعا وامتدادا.

وسوف تتدرج قرائتي لهذا الكتاب عبر أربعة عتبات وهي:

  • عتبة لغات وإشارات الغلاف.
  • عتبة بناء الكتاب من حيث أقسامه.
  • عتبة الحوامل الموظفة في قراءة الكاتب لتجربة التصوف.
  • عتبة دلالات الكتاب.

محاولين من خلال هذا وذاك القبض على نبض كتابة منصف عبد الحق عن الكتابة الصوفية في شعريتها ووجوديتها وغرائبيتها، وحمولتها الإنسانية المركبة.

1) في لغات وإشارات الكتاب:

منذ غلافه الأمامي، ونحن نمسك به، يحيلنا هذا الكتاب مباشرة إلى التجربة الصوفية بأبعادها الامتدادية الثلاث، الحب والإنصات والحكاية، وما بينها من تقاطعات وصلات.

يحيلنا على الحب، باعتباره شرطا للوجود وتوسيعا لدائرته وتلوينا لمعناه، وعلى الإنصات باعتباره شرطا للاختراق والمعرفة والتواصل، وعلى الحكاية من حيث هي شرط الانكتاب والانعتاق والامتداد. وهي أبعاد وشروط تجليها تشكيليا ومجازيا لوحة للفنان الياباني "اونشي كوشير"، على شكل عتمة، يخترقها ضوء مسنود بيد هيفاء شفوفة تكاد ترى؛ وكأنما الضوء يشير إلى الحب الطافح بالشوق الوجودي والممعن في اختراق اللامرئي بحثا عن بؤرة بها تتجلى الأشياء والأحياء والمعاني.

أكيد أن تلك اليد هي الشاهد على تجربة الكشف والانكشاف والموثق لحالات تلك التجربة، أو فلنقل هي التي من شقوقها يتسرب سرها الهلامي.

وأكيد أيضا أن الكل يحيل إلى أبعاد وجاذبية الحضارة الشرقية المسكونة بمخاض الحكمة واللاهوت والأساطير، بالمرئي واللامرئي في الآن نفسه، والموسومة بعمقها التاريخي، الذي يجمع بين الوحدة والتعدد وبين الاتصال والانفصال.

وفي الصفحة الخلفية للغلاف، يوجد تشكيل من نوع آخر، لكنه هذه المرة مخطوط بكلمات، تبدو قليلة ولكنها تلخص كل شيء، يقدم فيها المبدع عبد الحق منصف التجربة الصوفية باعتبارها تجربة شمولية وتكاملية، يتداخل فيها الواحد بالكثير، والمتحد بالمختلف، والمعرفة بالعشق، والصمت بالإنصات، والفهم بالبوح والتمنع، بالمعنى واللامعنى، والوصل بالاغتراب، والوثوق بالحيرة، والسر بالتجلي، والبعد بالقرب، والإقامة بالسفر، والثبات بالتحول والتناهي باللاتناهي، والشرط بالحربة، والعبارة بالإشارة. وباعتبارها إلى جانب ذلك كينونة، يتماهى فيها، ينتفي، وينتشي في الآن نفسه، المكان والزمان والجسد واللغة، في إقامة مسافرة أو سفر مقيم، كأنه سفر يحول المعلوم مجهولا، ويجعل من الألم قربانا للحياة، ومن الحياة طريقا إلى منابعها، ملمحا في ذلك إلى أن الصوفي لا يقنع بالشرب من آخر النهر والجسد واللغة، بقدر ما يتوق إلى الشرب من أعلى النهر والجسد واللغة. فهو يرى أن للكون وكائناته كلاما هامسا، لفهمه وامتلاك معناه يتعين الإنصات إليه، بكل الحواس الظاهرية منها والباطنية، بحيث أن من لا ينصت لا يسمع، ولا يرى، ولا يفهم... والإشارة تبقى أبلغ من العبارة، في تجربة تجمع بين الحقيقة والمجاز وتبقى العبارة قيدا والإشارة تحررا من هذا القيد، لأنها تفتح على المدى وتحقق الامتداد، ولأنها الكلام الذي كان قبل الكلام وسيبقى بعده.

 

2) أقسام الكتاب:

وأنت تدخل إلى متن هذا الكتاب يستدرجك عبد الحق منصف، كي تفهم معه مدارات التجربة الصوفية، لتمر عبر عتبات ثلاث سماها أقساما:

- قسم أول خصصه لتتبع مظاهر التحول من تجربة الفناء إلى تجربة الكتابة، أو فلنقل من الانمحاء إلى الانكتاب، من العشق إلى الاغتراب، تحقيقا للاتصال بالمعشوق، وكأن الحب الذي لا يقودك إلى سفر في الذات والوجود هو عشق عاقر.

- وقسم ثان، وظفه لتأمل زمن التجربة الصوفية بين الصمت، الإنصات، وكتابته استنادا إلى تجربة النفري(2).

- وقسم ثالث، لتأمل وتحليل الحكاية الصوفية بين الشهادة على الحال والمكر التربوي بالمتلقي.

في تقديمي لهذا الكتاب، لن أدخل بكم إلى تفاصيله ومنعرجاته، بقدر ما استوقفكم فقط عند أمرين هامين جديرين بالتوقف والتأمل، أحدهما يتعلق بحوامل القراءة التي أنجزها الكاتب في اختراقه للتجربة الصوفية وكشفه عن عوالمها ومعالمها؛ وثانيهما بالدلالات والإشارات التي تستضمرها مقاربته هاته لهذه التجربة.

3) حوامل قراءة الكاتب للتجربة الصوفية:

قراءة منصف للتجربة الصوفية يمكن وصفها بالقراءة التكاملية سواء على مستوى الحوامل التي اعتمدها أو على مستوى الآفاق والأبواب التي دخل منها إليها والنتائج التي خرج بها من خلال تلك القراءة.

على مستوى الحوامل، يمكن التمييز في إطارها بين ثلاثة حوامل وظفها الكاتب لاختراق التجربة الصوفية، وهي الحامل التراثي، والحامل الحداثي، والحامل الذاتي.

بمقتضى الحامل التراثي كان من الضروري أن يعود صاحبنا المفتون بمنابع الضوء إلى النصوص الصوفية الأصلية، وبالخصوص نصوص الجنيد(3) والنفري وابن عربي(4) باعتبارها تجمع بين التجربة والشهادة، ويعود أيضا إلى المهتمين بالتجربة الصوفية مثل شهاب الدين بن أبي حجلة صاحب "ديوان الصبابة"(5)، وابن حزم مؤلف "طوق الحمامة"(6)، وابن قيم الجوزية "كشاف روضة المحبين ونزهة المشتاقين"(7)، وإخوان الصفا في رسائلهم(8)، وشهاب الدين الحلبي في "المنازل"(9)، والشعراني في كتاب "الأنوار"(10)، وعبد الكريم الحبلي في "الإنسان الكامل"(11)، والكلابادي صاحب "التعرف"(12)، والميلودي شغموم مؤلف "المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي"(13)، ولويس ماسنيون في "أخبار الحلاج"(14) وغير هؤلاء من الذين اشتغلوا بقراءة التجربة الصوفية والكشف عن ألغازها ومغرياتها.

وبمقتضى الحامل الحداثي، كان من الضروري أن ينفتح الكاتب على الكتابات الغربية الحديثة سواء منها الفلسفية بجذورها الوجودية والنيتشوية، أو المنحدرة من التحليل النفسي، واللسانيات وأدبيات الخطاب والتواصل والنقد الروائي والقصصي وكذلك العودة إلى انثروبولوجيا الأساطير والملاحم، وكل الكتابات التي اشتغلت بتحليل مفاهيم ذات صلة بالتجربة الصوفية كخطاب وممارسة، مثل شعرية الحلم، والأسطورة، والغربة والغرابة والاغتراب، والخيال والرمز، والمعاناة، والقلق، والحرية، والكتابة، والحكي، والتأويل، والايروتيك، والرغبة، والشهوة، والفناء، والحب، والجسد ... وهذا ما نلمسه لديه من خلال انفتاحه على كتابات كل من أدام(15)، وأندرياس (16)، وجورج بطاي(17)، وماكس بيلين(18)، وميرسيا إلياد(19)، وجان جورج(20)، وهايدجر(21)، وكييركغارد(22)، وجاك لاكريير(23)، وماريجكو(24)، ومولينو(25)، وفريدريك نيتش(26)، وجاك بيري(27)، وبول ريكور(28)، وتودوروف(29) وغيرهم.

لكن، رغم انفتاح الكاتب على الحداثة الفكرية وتوظيفه لمفاتيحها التحليلية ولجهازها المفاهيمي في قراءة التجربة الصوفية، فإنه يسجل احتياطه من نظرة الحداثة والحداثيين للتراث الإنساني عموما ولتراثنا العربي الإسلامي على وجه الخصوص، وبالأخص لتراثنا الصوفي.

وهو في ذلك يتبنى الموقف الهيدجيري من نظرة الحداثة للتراث(30)، بحيث يصفها بكونها "نسيانا للذاكرة وللتاريخ"(31)، وفضاء للاحتجاز الكوني(32) والاجتثاث الحاضري.

في هذا الإطار يثير منصف السؤال الأهم وهو: "كيف نقرأ التراث مع الإبقاء عليه في امتلائه وديمومته؟ وكيف تكون قراءتنا للغات التراث الإبداعية انزلاقا من مركز الحداثة – التي يظهر أننا ملزمون تاريخيا وفكريا بمعايشتها – إلى هوامش حياتنا وكينونتنا الأساسية؟

وبمقتضى ما أسميته بالحامل الذاتي، لقد وظف الكاتب ذاته كأداة للاختراق؛ تلك الذات التي تعترضك أو تستضيفك طافحة، وهي تنكتب فيما تكتبه، وعاشقة، ملتهبة، وتابعة لمجرى الحب، من منابعه الأولى إلى تماهيه مع اللانهائي، وما بينهما من المحطات والمنعرجات. ومن هذا المنبر لا أتردد في البوح بافتتاني بحرارة الكتابة لديه، وقدراتها على الانفلات من آفة الكتابة الباردة المقيدة بالحدود الأكاديمية التعليمية، التي يكتب فيها الكتبة كل شيء، وعن كل شيء، إلا عن ذاتهم التي تظل ذلك الحاضر الغائب في عملية الكتابة.

وفي هذا الكتاب تتجلى ذات الكاتب وتؤكد حضورها بقوة، وتجعلك تحس بأن موضوع الكتاب برمته يدور في فلك الذات الكاتبة، دون الإخلال طبعا بحد من الموضوعية التي تفرضها عليه خصوصية موضوع اشتغاله، فبالنسبة إليه "علاقة القارئ بالكتابة الصوفية ليست علاقة بسيطة، بل يجب أن تكون محكومة بنفس العناصر التي تحكم علاقة الصوفي بكتابته: أي علاقة الاحتراق والألم والحلم والموت، وأن يمارس القارئ لعبة التأويل على تلك الكتابة لا يعني أنها سلبية تقدم ذاتها بسهولة، لأية قراءة تريد فك رموزها. إنه بالعكس فضاء متمنع له قوته وثقله الذي يفرضه على القارئ»(33).

فالكتابة الصوفية بالنسبة إليه «تتحكم في فعل القراءة، أنها تصنع قارئها بمعنى ما، إذ ترفض القارئ الساذج»(34) أي ذلك القارئ التبسطي التعليمي، أو بمعنى آخر القارئ الهاوي أو "اللاعب". فللكتابة الصوفية مكرها وإغراؤها الذي يشبه مكر وإغراء الأنثي "فهي لا تقدم سرها مباشرة، ولا تبينه لأي قارئ كان"(35)، فاللغة لدى الصوفي لها أجنحتها التي تطير بها وتظهر للآخرين وفي الوقت نفسه لها حجابها الذي يخفي أسرارها ويبقى العبور من الظاهر إلى الباطن، ومن الجلي إلى الخفي، ليس ممكنا بالنسبة لأي كان.

4) عن دلالات الكتاب:

هذا الكتاب زاخر بالإشارات والدلالات التي تستضمرها التجربة الصوفية خطابا وسلوكا، يمكن إجمال كما يلي:

4-1- الدلالة التكاملية:

وبمقتضاها وبتأملها نجدها لا تقبل التجربة الصوفية التجزيء والاختزال. وأي منظور تجزئي لحقيقتها يتم فيه التركيز على جوانب معينة وإغفال جوانب أخرى، محكوم عليه بالبقاء خارج هذه التجربة. ذلك أن كل الجوانب مترابطة في إطار هذه التجربة، ولا معنى لجزء منها إلا في ضوء علاقته بباقي الأجزاء ضمن التجربة الإنسانية ككل، فضلا عن تكاملية الخطاب الصوفي نفسه، الذي يجمع بين الشعري والشذري والسردي والمناجاتي، أي يوظف كل أسلحة التواصل والتواشج والتعبير المتاحة لمحاصرة الكينونة المطلقة، أو بالأصح لفك الحصار عنها.

4-2-الدلالة الإبداعية:

وبمقتضاها يمكن الحديث عن شعرية التصوف أو صوفية الشعر، وفي هذا توسيع لمفهومي التصوف والشعر معا. وقد أسس الكاتب هذا التناظر بينهما على مجموعة من الروابط مثل رابطة الإيروتيكية، ورابطة اللاتمايز، ورابطة شهوة الغموض وخلط الأوراق، والنزوع إلى التمرد على الحدود المألوفة للأشياء، ومن ثمة خلق عوالم جديدة، لا تتحقق إلا بواسطة الحلم الخلاق(36) من جهة ومن جهة أخرى بواسطة الإنصات إلى هوامشنا المنسية وتحرير أحلامنا المعلقة أو الملغاة.

4-3-الدلالة الوجودية للغة والكتابة الصوفيين:

وهي الدلالة التي تتيح القول بأن لغة التصوف لغة وجودية عاشقة، والعلاقة بين حروفها وكلماتها محكومة بنفس الروابط الموجودة بين ظواهر الطبيعة وعوالمها وعالم الأرواح أنها علاقة خلق متجدد(37) وتمازج المعاني والحروف داخل الكتابة الصوفية – يقول منصف – يحقق حلم العاشق الصوفي في الوحدة والاتصال. وبهذا تكون الكتابة الصوفية في آخر المطاف فضاء تتحقق فيه رغبة الصوفي المزدوجة: الرغبة في الحلم وفي الموت داخل الكتابة. تموت المعاني المنفصلة عن بعضها البعض، تتمازج، ويذوب بعضها في البعض الآخر، تماما كما تتداخل الحروف، ويضم بعضها بعضا، وتدخل في حالة من اللاتمايز والغموض والضبابية(38).

إنها علاقة شبه كيمائية تلك التي تربط المتصوف بالوجود واللغة والجسد واللاجسد. وعموما تبقى الكتابة الصوفية مطبوعة بثلاثة طقوس، تتراوح بين طقس الإشارية وطقس الألغاز وطقس السرية. ولكن، ويـا للمفارقــة، تبقى هذه الكتابة هي الضمان الوحيد لانكشاف تلك الإشارية والسرية وفك رموز تلك الألغاز.

يقول النفرى في كتاب المواقف: "وقال لي: اكتب من أنت، لتعرف من أنت قال لم تعرف من أنت، فما أنت من أهل معرفتي". ولكن هذه الكتابة أو بالأحرى "الانكتاب" هي فيض الكأس، أو رغوة مخاض الموج، أو بالأحرى ثمرة الصمت وثمن الإنصات. لكنه مع ذلك ليس جوهرا بل طريقا إلى الكلام الكلي (كلام الله) الدفين الذي يسكن بين ثنايا الوجود، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر جسر اسمه "الإنسان الأكبر" حامل السر، والباحث عنه في الآن نفسه.

وفي هذه الدلالة يمكن الحديث أيضا عن قدرة الخطاب الصوفي على إعادة تشكيل مفاهيم اللغة وتوسيع نفودها وخريطتها الدلالية، مثل الرغبة، والشوق، والإرادة، والانصات، والاتصال، والانفعال، والطبيعي، والروحاني، والإلهي إلى غير ذلك من المفاهيم - الحوامل.

4-4-الدلالة الإنسانية والجمالية للتجربة الصوفية:

ويتجلى ذلك في كونها تجربة إنسانية صميمية، ومن ثمة فقد خرجت مقاربة الكاتب عن الحدود الأخلاقية السطحية التي حاول العديد من الدارسين سجنها فيها، لتفتحها على ما هو لامتناه في الجسد والطبيعة والألوهية، والعشق، وعلى الأنوثة المطلقة التي تشكل لدى الصوفي جوهر كينونته، ودافع كل رغبة وكل كتابة أو انكتاب(39). ومن ثمة أيضا يتجلى البعد الجمالي للتجربة الصوفية، سواء في ذاتها أو امتداداتها عبر الحكاية، باعتبارها نسغ الحياة، وصوت تحريك الراكد بأغوارنا، وفي الأعماق المنسية لذاكرتنا، ومن ثمة سر جاذبيتها الناجمة عن التوق والحلم بإمكانية أخرى للوجود، إمكانية ليست غريبة عنا تماما كما يرى ماكس بيلن Max Bilen (40) بيننا وبينها قنطرة موصلة، يتعين عبورها لكن شرط خلع النعلين والقدمين والعينين وترويض الجسد، صدقوا أو لا تصدقوا إنه الفناء، وليس لنا من حل سوى أن نصدق تماما كما يصدق الأطفال اللامعقول للحصول على اشراق اللحظة والإحساس بالامتلاء والامتداد.

لقد كنت أخيرا وأنا أنتهي من قراءة هذا الكتاب ضحية مكر جميل ولذيذ، وأي ماكر كان عبد الحق منصف في كتابه هذا بحيث استطاع أن يضفي المعاني والدلالات الرفيعة على ما يعتقده الكثير من الناس غير ذي معنى متسلحا بشعرية رفيعة سهلت له القفز فوق حبال العبارة الصوفية ومراقصة غرائبيتها وشعريتها، لكن مقابل ذلك هناك الدرس الجدي الثاوي بين سطور كتاب منصف هذا عن التجربة الصوفية، والذي يدعونا فيه إلى ضرورة إعادة النظر في هذه التجربة سواء من حيث هي خطاب، أو من حيث هي ممارسة، من أجل الكشف عن أبعادها الإنسانية المركبة والعميقة، وفي ألقها الجمالي.

 

 

الإحـالات

* د. عبد الله الطني، أستاذ مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمكناس. وأصل النص مداخلة في الندوة الوطنية التي نظمتها جامعة مولاي اسماعيل والمدرسة العليا للأساتذة بمكناس والجمعية المغربية للبحث في الفلسفة الإسلامية، بعنوان قراءات في المنجز المغربي في البحث الصوفي يوم 16 ماي 2015.

(1) عبد الحق منصف، أبعاد التجربة الصوفية: الحب – الإنصات – الحكاية، افريقيا الشرق، الدار البيضاء 2007.

(2) هو محمد بن عبد الكريم بن حسن النيفري، من كبار الصوفية، من أشهر كتبه كتاب المواقف والمخاطبات، تحقيق آرثر آربري طبعة دار الكتب المصرية القاهرة 1985.

(3) أبو القاسم الجنيد، أحد اعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، له حوالي إحدى وثلاثين رسالة جمعها في مؤلف الدكتور رجب سيدبي تحت عنوان "رسائل الجنيد"، دار اقرأ – ط1، 2005.

(4) محيي الدين ابن عربي الملقب بالشيخ الأكبر (558 هـ-638 هـ)، أحد أشهر المتصوفة في الفكر الإسلامي، من أهم كتبه، كتاب الفتوحات المكية، وكتاب نصوص الحكم، وديوان ترجمان الأشواق، وكتاب شجرة الكون، وكتاب الاعلام بإشارات أهل الإلهام، وكتاب اليقين.

(5) شهاب الدين بن أبي مجلة، ديوان الصبابة، تحقيق محمد زغلول، سلسلة الاسكندرية 1987.

(6) ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة، إشراف نزار وجيه وياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، بيروت 2002.

(7) ابن قيم الجوزية، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983.

(8) إخوان الصفا، رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، في خمس مجلدات، الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان ط1، 1996م.

(9) شهاب الدين الحلبي، منازل الأحباب ومنازه الألباب، تحقيق محمد الديباجي، دار صادر، ط1، بيروت 2000.

(10) عبد الوهاب الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، تحقيق طه عبد الباقي سرور، مكتبة المعارف، بيروت 1978.

(11) عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، تحقيق محمد عزت، المكتبة التوقيفية، القاهرة بدون تاريخ.

(12) أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب التصوف، نشرة مكتبة الكليات الأزهرية، ط2، القاهرة، د.ت.

(13) الميلودي شغموم، المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي، الحكاية والبركة، المجلس البلدي لمدينة مكناس، المحمدية 1991، المغرب.

(14) لويس مانسيون وبول كراولي، أخبار الحلاج، طبعة المكتبة الفلسفية، جون فران، باريس، 1975.

(15) Adam (J.M) F : Le récit, Paris, PUF, 1984.

(16) Salmé Andréas, Eros, Paris, Edit sociales 1796.

(17) Géorges Bataille, l’érotisme, Paris, Minuit, 1957.

- L’expérience intérieure, Paris, Gallimard 1952.

- Les larmes d’Eros, Paris 10/18, 1971.

(18) Max Billen, le comportement mythique de l’Ecriture, in le mythe et le mythique, Albin Michel 1957.

(19) Henry Corbin, l’imagination créatrice dans le soufisme d’ibn Arabi, Paris, Flammarion 1958.

(20) Mircea Eliade, Mythe, rêves et mystères, Paris, Gallimard 1957.

(21) Martin Heidgger :

- Acheminement vers la parole, Paris, Gallimard 1976.

- Etre et temps, Paris Gallimard Paris 1986.

(22) Kierkegard, le concept d’Angoisse, Paris, Gallimard 1935.

(23) Jacques la carrière, les gnostiques, Paris, Gallimard, Paris 1973.

(24) Jean Marejko, Espace et désir, Gallimard Paris 1985.

(25) Jean Molino, Pour une histoire de l’interprétation, in revue philosophique, vol. 13, n°1, 1986.

(26) Nientzche, Ainsi parlait Zarathoustra, Gallimard, Paris 1947.

(27) Jacques Perret, Du texte à l’amour du texte in qu’est ce qu’un texte ? Publié sous la direction d’Edmond Barboutin, Paris, librairie José Corti, 1975.

(28) Paul Ricœur, du texte à l’action, Paris, seuil, 1986.

(29) Todorov, introduction à la littérature fantastique, Paris, seuil 1970.

(30) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية...، مرجع سبق ذكره ص211.

(31) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية... المرجع نفسه، ص246.

(32) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه، ص211.

(33) و(34) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه، ص211.

(35) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه ص203.

(36) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه ص205.

(37) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه ص206.

(38) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه ص7.

(39) منصف عبد الحق، أبعاد التجربة الصوفية، المرجع نفسه ص7.

(40) Max Bilen, le comportement, mythique de l’Ecriture, in le Mythe et mythique, Paris, Alin Michel 1987, p203.

 

 

 

Repost 0
Published by arab-ewriters.over-blog.net - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
11 janvier 2014 6 11 /01 /janvier /2014 19:26
filemanager.php?action=image&id=95

الاشهار وآليات اشتغاله:

   وما يزال الحصان..يصهل النساء..

                                

مقدمة الدراسة

1- فرضية القراءة .

2- النسق الدلالي المركب.

   -أ- إجراء التجدير.

   -ب- إجراء الربط.

3- صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

4-الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

   -أ- التقطيع الزمني.

   -ب- التقطيع المعرفي.

   - ج- التقطيع الجسدي.

   - د- التقطيع اللغوي.

5- الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

6-وما يزال الحصان يصهل النساء....

 

تصدير:

إن هذه المقالة أعتبرها بمثابة الجزء الثاني لسلسلة المعنى الذي فتحه الأستاذ بنـﮕراد حول لوغو البنك الشعبي،" ولا يكف الحصان عن الصهيل" المقال المنشور بمجلة علامات العدد السابع.

وهو بذلك قد فتح ذاكرة عميقة في جسد الأشياء ، فأصبح الإشهار عنده يتنفس في كينونة الشعري والسردي والجمالي ..وهل يحتاج الجمال إلى مؤوِّل ؟ إن بؤرة المعنى متشظّية وليس من حق المؤلف أن يؤوّل إلا بحسب امكانية وصوله إلى المعاني النسبية من الكل المتعدد والغير القابل للإيحاء بالنُّسخة والشبيه حيث أنه " لا قانون بنيوي يُجبرك على إقفال الجملة" على حد تعبير ر.بارت...

بقلم : د.عبد النور إدريس

مقدمة:

     الإنسان كائن رامز محمول بافتتان الحياة، حامل للمعنى الضواع بانتشاء الجسد الساخن، الجسد الذي يجسد اختلافاته في فضاء يستعمل المعنى في مرافعته ضد قضية المعنى

فكيف يكون المعنى كاذبا بالرغم من صدق مكونات القضية؟ أو كيف يكون المعنى صادقا مع عدم مصداقية القضية؟

    إن الصورة الاشهارية التي ندرسها معدة لأن تفهم بسرعة ولأن يفهمها أكبر عدد من المتلقين انطلاقا من الدليل الأيقوني التي تتمتع به الشفرة اللسانية:

Votre banquier vous fait des avances

 1- فرضية القراءة:

     قبل مباشرة القراءة والتأويل والقيام بعملية توليد المعاني وملء الفراغات التي تقترحها علينا الصورة باعتبارها خطابا بصريا، لابد من طرح فرضية ما ولنقل مع دي سوسور " وجهة النظر تخلق الموضوع".

    وقد نقول مع أمبيرطو إيكو" التأويل ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة، هي فرضيات تسقط، انطلاقا من معطيات النص، مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية"([1]

    قد تتنوع قراءة هذه الصورة بتنوُّع المستقبل لها حسب الرهانات التي تخلقها شروطها الثقافية، وهكذا يمكن أن تكون هناك قراءة بعيون أنثوية ليختلط عالم المال بالعالم المناوش للقران الحاضر الغائب بعالم البنك.

وقد تكون هناك قراءة بعيون قروية فتكون الصورة جاحدة وهي تحمل وردة بيضاء عوض السنبلة لتطرح السؤال على مدى إمكانية العالم القروي للخروج من العقم الذي فرضه الجفاف على الخصوبة.

ويمكن صياغة فرضيات القراءة هاته باعتبار الوحدة المعنوية للدليل الأيقوني المشتمل على شفرات متعددة : * شفرة الألوان * شفرة الأشياء * والشفرة اللسانية.

فهل يمكن للصورة أن تكون موضوعا للدراسة في ذاته؟

2- النسق الدلالي المركب:

إن الفضاء الذي سنتأمل فيه معاني هذا الإشهار هو فضاء العلاقات الإنسانية، العلاقات الواعدة بالخصوبة واستمرار النوع البشري، وبما أن هذا النص الذي بين أيدينا لا يتوفر على قارئ أسمى فإنه لا يشتمل على معنى حقيقي إلا إذا استطاع المؤول أن أن ينتج شرطه كعلامة بحسب قول شارل موريس: " كل شيء يمكن أن يصبح علامة شريطة أن يؤول باعتباره كذلك من لذن مؤول".

فأن نقرأ هذا النص معناه أن نسائل فيه المستوى التشكيلي والأيقوني. مع افتراض أن هذه الصورة تحمل ثنائي ضدَّي عميق في ضد يته على المستوى المجالي بادية/ مدينة، خصوبة / لا خصوبة، والتي تحول النظرة الاستثمارية لمجموعة البنك الشعبي في التوجه إلى القطب المديني في طلب الزواج به وتحويل الطاقة الإنجابية الى مجال يهتم بقيمة الحياة في واحديتها وبالكيف على مستوى العيش.

فالعلاقة بين النسق اللغوي والنسق الأيقوني يتحدد من خلال:

أ- إجراء التجذير:

النموذج الذي نحلله هنا هو صورة إشهارية تقدم إشهارا لمؤسسة بنكية، تتمفصل الصورة فيه إلى نسقين متراكبين:أيقون بصري ولغوي.

ويمكن الوقوف عند مكونات الصورة في بعديها لتحليل الآليات التي توظفها بهدف إقناع المتلقي بالإرسالية التي تعتزم إبلاغها من خلال البعد الادراكي المعرفي الذي تنخرط الصورة ضمنه.

   فبالنسبة للصورة موضوع التحليل، نلاحظ أن الإطار العام الذي يؤطرها يتكون من فضاء بوني شاسع يوجد ضمنه أيقون، وهو عبارة عن يد ذ كورية تحمل وردة بيضاء، ويوجد أعلى الصورة تنضيد أقوال لغوية تحقق المستوى اللساني في الصورة مع تبئير اسم : اليسر".YOUSR  "

  وفي أسفل الصورة يسارا يعن لوغو المؤسسة المالية الذي سنقرأ الصورة من خلال تحليله وإعادة بناء اشتغاله مشمولا بقيم النبل والأصالة يتحرك في إطار الهاجس المقاولاتي لصالح الجميع وبالجميع:

Entreprendre Pour le Bien Commun

ب- إجراء الربط:

إن الصورة التي أمامنا تزاوج بين نمطين من التلقي في عالم الاستهلاك:

* نمط يرتكز على اعتبار الشفرة اللغوية " تسبيق"

« Avance »

هو ما تقدمه البنك لحل الأزمة المالية للزبون عند آخر الشهر.

* ونمط يعتبر البعد السوسيو- ثقافي، المسبقات الغزلية وسيلة لتعويم المعنى:

« Avance »

التي عبرت عنه الصورة أصدق تعبير وهي نموذج للمرجعية الثقافية اللاواعية التي تختزن في بعدها الثقافي شحنات انفعالية لا تجد استساغتها إلا بالسنن الثقافي الفرنسي، فالصورة هنا تنتج مستهلكا ثقافيا عبر مرجعية اللغة من جهة، ومن تنميطها من جهة أخرى للاشعور الجمعي لتعكس الرغبة الدفينة للزبونة التي حققت ذاتها على المستوى "الفالوسي"

PHALLIQUE

بينما كان ذلك على حساب تجلياتها الأنثوية، كحبيبة و مخطوبة ، زوجة وأم.

    إن الصورة لا توجد إلا لتكرار العالم بشكل أقل اتفاقا مما هو عليه في الأصل ويسمح لها بالانزياح قليلا عن الأصل ما دامت لا تستطيع تقليده بإتقان.

فمهما كانت الزاوية التي ننظر منها إلى الأمور فإننا لن نخرج من ثنائية، الشكل/ الشيء، أو ننطلق من الشيء لنصل إلى الشكل.

وعند مقاربتنا لهذه الصورة سننطلق من مباشرة دراسة الصورة في ذاتها، انطلاقا من: *المستوى الأيقوني والذي يعتمد على القراءة الاستتيقية ومجمل إيحاءاتها.

*المستوى الاجتماعي وفق الحقنة الأيديولوجية المبثوثة في الصورة.

* المستوى البلاغي حيث يمارس النص اللغوي سلطة على الصورة ذلك أنه هنا يتحكم في قراءة الصورة الاشهارية ويكبح جماحها الدلالي.

3- الدال الأيقوني: صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

يرُدّأوبيرطوإ يكو عملية بناء الدال الايقوني إلى ثلاث مستويات من التسنين:

*- الأيقون: يتحول فيه الدال اللفظي ( تسبيق) إلى دال بصري (مسبقات غزلية).

*- الأيقونوغرافيا: دلالة الوردة البيضاء على التقدم لطلب يد الفتاة من نفسها.

*- التسنين البلاغي: لقد أعطت هذه الصورة ومن خلال سنن من طبيعة لسانية

   مقابلا بصريا تجلت في اليد الذكورة الناعمة التي تحمل وردة بيضاء بدون أشواك.Avance

في جل الصور الاشهارية للبنك يرتسم اللوغو في يسار وأسفل الصورة مفتوحا على المستقبل " إن الفرس يسير إلى الأمام، أي من اليمين إلى اليسار، إنه يسير بخطى مزهوة نحو المستقبل" ([2]) .

فالصيغة الجديدة " مجموعة البنوك الشعبية" قد تجاوزت اللوغو السابق فبعد أن كان في سباق مع باقي خيول المال في اتجاه الدائرة /البويضة التي ترمز إلى العالم القروي المشمول بآليات الإخصاب، وحيث أنه هو من اخترق فأخصب لم يترك ذيله خارجا كما يفعل الحُوين المنوي، ومع انسداد الدائرة يوحي الفرس بأنه مستعد أو قاب قوسين أو أدنى من الوقوف داخل الدائرة فشكله يدعونا إلى افتراض أن هذا الفرس كان فوقه فارسا يأخد بلجامه وقد انتُزع منه ليتعرى الفرس أمام الفضاء القروي لتبيان فحولته ضمن عالم يؤمن بالرأسمال الوارد عن فحلية طبيعية.

إن الفرس وعند اختراقه للجدار السميك للبويضة يتوجه في خطابه قيما ثقافية تستهلك العزة والشهامة وطابع البداوة والفضاء الشعبي : " مثمنة  في جميع الحالات وجميع السياقات: إنها الاصالة والصدق والجذور والنقاء الثقافي والبراءة والعفوية والتراب والأرض والطبيعة.إنها الوجود الطبيعي الذي لم تلوثه بعد موبقات العصر الثقافية" ([3])

فما دام البنك يلف أيديولوجيته بالشعبية فهو مقرون بالتوالد وارتفاع الخصوبة التي تعتبر الوسيلة المثلى لتكثير المادة الفلاحية من النوع الحيواني، فالتعدد البيولوجي الذي يغنيه اللوغو انعكس على تشكيلته الإدارية التي انتقلت به الى مجموعة بنوك.

إن هذا اللوغو في صيغته الأولى والأخيرة يشتغل وفق مبدأ التناظر والمرجعية الثقافية لطبقة شعبية تتمركز بالبادية، أما الصورة التي بين أيدينا فإنها يشتغل وفق مبدأ اللذة من حيث أن الإشهار يعتبر من مكونات الهواء على حد قول روبير لودوك (1975) عندما قال:" إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنيتروجين والإشهار"، يتحول فيه الزبون من منخرط بدافع الحاجة لقرض " اليسر" إلى منخرط بدافع الرغبة عبر عالم الجسد المخملي ، فالجانب الجمالي في الدال الأيقوني الحامل للإرسالية الاشهارية التي بين أيدينا يتحدد في قدرته التعبير عن حالة ثقافية وبسيكولوجية خاصة بالشريحة – الهدف ، على الوصول إلى الدفع بهذه الشريحة المستهدفة إلى التعامل إيجابيا مع المنتوج .

  4- الكون الدلالي و تقطيعا ته: الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

   كل شيء في الصورة يتكلم وحيث يقول رولان بارت " لا وجود للأيقون الأخرس أبدا" فالقراءة التي تبحث في تعددية النص يجب أن تكون ذاتها متعددة، أي لا تحتاج إلى إذن بالدخول، وما مدخلات الصورة سوى ما يساعد المعاني على الانتشار فوق المساحة المرئية للنص، لكن لنتساءل من جديد مع رولان بارت " كيف يأتي المعنى إلى الصورة ؟ ".

هل المعنى في العبارة كما يقول كار ناب، أم في القضية كما يقول كُوَين؟ .

هل اللغة هي التي تخلق المعنى ؟.

" من البديهي أن لا تفهم الكلمة إلا في لغة ما، فاللغة هي التي تُعطي الخطاب مفهوما يُدرك من خلال مكوناته" ([4]).

أن تقرأ هو بالفعل عمل تقوم به اللغة ، أن تقرأ معناه العثور على معاني والعثور عليها معناه أن تسميها، لكن الثقافي هو الوصي على التفسير اللغوي داخل الصورة التي تلعب دورا مهما في تعميق المعنى بتفسيرها للكتل اللغوية ، وبذلك يصبح للكلمة " معنى واحد، معناها الأفضل "([5]) كما يقول رولان بارت.

   إن  صورتنا الإشهارية تحلم العالم على نموذج الجسد الفاعل الذ ي يتأكد حضوره في انسجامه مع الثقافة السائدة التي تنسب للجسد الذكري كل ما هو فوقي وفاعل كرمز للقوامة والسلطة اتجاه الجسد الأنثوي المقهور والدوني كدلالة على ما هو تحتي وسلبي.

   إن الصورة الاشهارية التي نعالج ليست مجرد وصف لمنتوج، وإنما هي تحديد لعلاقات ولأنماط للسلوك تستثمر صراحة أزمة مجتمعية تتجلى في عزوف الشباب عن طلب أيدي الإناث للزواج ، والعلامة الأيقونة تعتبر البنكي هو المؤهل للقيام بهذا الدور الاجتماعي لفتح هذه الظاهرة على المخيال العام والدفع بحلم العازبات إلى ولوج عالم الاثارة ، لمّا تلجن فضاء " البنك الشعبي" الذي اشتغل في اللوغو السابق على الاثارةLa

   séduction

المملوءة بالفحلية والإخصاب معتمدا على رأسمالية إنتاجية تعيد بدورها نسخ العالم في أيقون مرجعي مباشر.

فالإثارة بالكلمات يمكن أن تأخذ بديل إثارة الكلمات ذاتها ، فالمرأة هنا تثار حسب مستوى الأنوثة الذي تصل إليه أو تتمناه.فالإثارة تثير وهم النظرة الأولى التي لايمكن أن تقول ماهي ولا يمكن أن تقول بتحققها، إذن فهي ضائعة، لا متحددة ، إن الاثارة تلعب لعبة البداية اللغوية ، الانخراط الفجائي والاإرادي داخل اللغة، إذ الإثارة تحيي في الكائن وضعيته الفاعلة داخل الكلام وهو هنا الكلام الفرنسي بامتياز.

إن الصورة التي بين أيدينا تعوض العالم الواقعي للزبونة و الزبون بمكونات خيالية تستهدف فيه رأسمالية الاستهلاك وقد تحول موضوع القرض إلى رسالة اجتماعية على اعتبار أن الانخراط في جماعة مستهلكات المنتوج البنكي " لقرض اليسر" يتحول إلى معْنم  من بين المعا نم المميزة داخل المنظومة الاجتماعية.

   إن نموذج فارس الأحلام يوجد في الصورة الاشهارية كما يوجد في عين الفتيات التي ترى وتتوهّم ، إنها عبر النموذج الذي يتحوّل الى مثير ، تستحضر عبره الذات الرائية الوضعيات كما تستحضر أوهاما ورغبات ، نموذج المرأة التي تتعامل مع البنك ، الموظفة الشابة المقبلة على الحياة بعد أن حققت ذاتها في عالم الشغل والتي أصبحت محور اهتمام البنكي الذي يعد خطيبته بوضع مفاتيح خزنته بين يديها .

   إن الصورة تقدم نفسها على أنها تمثيل لوضعية إنسانية عادية يحق لكل امرأة أن تتماهى معها لتحدد عمقها الاجتماعي، ويصبح من الطبيعي تناول واستعمال المنتوج البنكي " الشعبي" داخل هذه الوضعية جد عادي.ويصبح الجسم العاري الذي تجسده اليد تركز عدة مدلولات من أشد المضامين أيديولوجية تستعمل الرغبة في التزيّي بخاتم الخطوبة من أنبل المضامين الاجتماعية للوصول الى ضفاف الاكتفاء الحالم.

لهذا فتنويعات الإثارة النسوية بصورتنا الاشهارية ليست لغوية فحسب بل هي اهتزازات نفسية للأنثى والأشياء المحيطة بها ، هي تلك اللحظة التي تصرخ فيها الأنثى عن المبتعد عنها والمشيح بوجهه أوالمحاول للإبتعاد عنها، أن تقدّم ولا تضع في" حسابك" همّ الحياة..."اليسر" هنا...

    إن ثنائية خاطب/مخطوبة في مظهرها المباشر وعبر معطياتها المادية والإيحائية تحدد تقطيعا ت عدة على أعتاب القراءة:

أ‌-     التقطيع الزمني:

ب‌-   للوجود الإنساني عبر خلق ثنائية تتناظر فيه تجربة البنك في إنشاء البيت القروي بشباب فتاة في مقتبل العمر " موظفة" تنفتح الفضاءات أمامها على هذا الاعتبار.

 ب-  التقطيع المعرفي:

 فمعرفة البنك بمدى حضور أوراقها النقدية لدى المستهلكة الشابة عند اهتمامها بشبابها والعناية بطراوته قصد اجتذاب زوج... داخل وضعية تنافسية متأزمة مشمولة بالعزوف.

إن الخطاب الاشهاري يعلم زبوناته كيفية الاستزادة من نوعية هذه الاستهلاكات كطريق طبيعي لنصائحه، على اعتبار أن قناعة البنكي بجمال الزبونة  الموظفة جديرة باحتدائها من طرف المجتمع ،هي شهادة تقدير للجمال الأنثوي والضامن للتسريع به إلى أحضان بيت الزوجية ..إلى أحضا " التكشيطة" والجلباب  بما هو "شعبي" نازح من مجال ثقافي مملوء بروائح الأصالة والعراقة والغبار...فهو بذلك يرسم حدود حياة جديدة عبر قيم قديمة.

 ج-  التقطيع الجسدي :

 إن اليد تتماهى مع جسد الصورة الاشهارية ، الجسد الملون بلون الجلد حيث يأتي عنه صدور اليد بشكل طبيعي كامتداد غير مفارق يحتضن السلطة عبر ثنائية اقتراحيه للفضاء الاجتماعي  الخطبة / صمت، إذ الجسد الأنثوي المتلقي للطلب ما عليه إلا الصمت حتّى تتحقق إيجابية الرسالة ، الصمت الذي يحقق للجسد المتلقي أنوثته، دلاله وغنجه وبذلك يكون الشعبي قد حقق الحنين إلى تقاليد الحياة البدوية التي تناقض المظاهر السلوكية للخطبة الحديثة.

  د- التقطيع اللغوي:

تركز الدلالة اللغوية على " اليسر" والتسبيق " لتحقق الكلمتين الزواج الشرعي للتصور المقترح للبنك في منح حلول لظاهرة انحباس الزواجية .

فالفضاء الذي تتأمله الصورة يعد بالنعيم واللذة والاستقرار بالرغم من أن الحياة اليومية  

  تعصر المنشغل بها عصرا لتتحول لغة الاشهارإلى لغة تقريرية تقدم التسبيق لفك ضائقة الزبونة.

5- كينزياء الكون الدلالي:الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

إن حركة اليد التي تقدم الوردة البيضاء والخالية من الشوك تعبر بكل وضوح عن نسقية إيمائية للجسد ، لايترك للصورة ذلك السطح العميق بل يحرك الصورة نحو خروجها والتقرب من المتلقية في بعد بوني يقترب من ذات المخطوبة حتّى يمكن أن تتجاوز تلك اليد- التي تنعمت بدخولها الفضاء المديني بدل اليد الخشنة التي أنهكها المعول والمنجل والمحراث - الحواجز إلى أن تبلغ المسافة التي يمكن أن يسلم فيها الفارس الوردة وهو مطمئن من ذلك القرب الذي يؤجج العواطف ويضع للوجه فرصة حميمية للإنغراس في عيني الآخرو،مع العلم أن التمثلات الثقافية للأنثى في ثقافتنا لا تسمح لها فقط إلا بالثبات في مكانها كي تصل إليها يد المعجب والخاطب محملة بالذوقي : السكر، الرامز إلى جلسات الشاي والعبث في ملف الناس والاشياء، والشمّي : الورد الرامز إلى التوحد والمودة  لتنبعث المشاعرالرقيقة الجياشة بالوله والهيام..

فحضور فرنسا كبؤرة ثقافية يكاد يصرخ داخل الصورة الاشهارية من خلال رموزها اللغوية والثقافية وهي قادرة على التواصل مع الطبقات التي تعاملت وتتعامل مع القيم الثقافية لفرنسا العميقة على أساس أن الثنائي السلوكي للثقافة المحلية عادات / أعراف ، يستهلك من الحواس رمزية الذوق عند إعلان الخطوبة " قالب السكر" لتنتقل الحلاوة من الشيء إلى أبعاده القصوى وأشكاله اللانهائية، عوض حاسة الشم والبصر واللمس الذي اعتمد داخل هذا المنتوج الاشهاري بالوردة البيضاء التي تعبق أريجا مملوءا باللذة والمتعة والخصب .

 6- ثنائية الكون الدلالي: ذكورة/أنوثة، وما يزال الحصان يصهل النساء..

   إن الصورة الاشهارية تعكس نظاما أبيسيا قويا تحتل فيه ثلاثية  المال- المعرفة ـ السلطة أوجا سيكولوجيا للعنف الرمزي الذي يفرضه " البنك الشعبي" على زبنائه ، فسلطة المال تتحكم في المعرفة وبالتالي فهي تستعيد السلطة لتحولها إلى أداة باتريركية تكتسح جغرافية ما هو مديني بعدما تم المسح المجالي للبادية .

فالصورة تعكس نفس الهيمنةالذكورية على ثبوثية القيم حيث الرجل فاعل ومتفتح على الآخر والمرأة تجتاحها مفاهيم الحشمة والانكماش النفسي على الذات.

وبذلك يكون السنن اللغوي يلغي حضور الأنثى ويمارس نفس سلطة المجتمع على أنساقه ، فالفضاء العام للصورة داخل وسطنا الأبيسي لا يترك المجال " للبنكية " أن تكون هي المرسلة وبذلك تغطي  مواصفات الذكورة كل مساحات اللوحة الاشهارية ، والمختفي ينتشي بنعومة الأنوثة ، هذه الثنائية تعتمد على تنميط الأدوار بنفس توزيعها في الماضي ، فالصورة تستقبل الموظفة ليذكرها بمجالها الطبيعي " البيت" ، " الإنجاب " ويخاطبها كممتلكة للجسد والعاطفة ، فلا وعي الصورة الجمعي يعكس خام التمثلات الثقافية العامة للمجتمع المغربي ، ومن ثم فالصورة الإشهارية  تعمم المعنى على القيم وهي بذلك تقوم بدور المؤسسات الاجتماعية التي ما تفتأ تسكك لثبوثية الزواجية كمؤسسة المؤسسات.

   إن هوية المرأة تجد داخل هذا الاشهار التنميط الصارم لتحركها ...فهي المخطوبة... وفي اللحظة التي تضع فيها الخاتم على  أصبع الرجل تنطبق السلاسل والقيود على تحركاتها...تنقلاتها روحها وعقلها ...كما يزيف وجودها وكينونتها لما يقترح عليها الانقياد الى تصوراته عن الحياة  للتّنَعُّم بمواصفات " الكائن المتميز" وتأتي المفارقة العجيبة لعالم المال هذا لمّا يضع في أولوياته مبدأ اللذة كمقياس للحياة العصرية ،

ليُغطّي خطابا مُضمرا يصهل في وجه الحريم وحنجرته مملوءة ذهبا..

Le bien être commence par le plaisir

     فالبنك هنا يبيع صورته مغلَّفة بقدرات ذكورية كما جاء في التعبير الفرنسي السابق

الذي يدل على أن التوجه الجديد للبنك قد أخذ نفس اتجاه الهجرة القروية ، وفي خطابه إلى الزبونة فهو يخاطب أكبر طبقة من الموظفات اللواتي يتحمّلن مسؤوليات عائلاتهن ويزهدن كارهات في ممارسة حياتهن الطبيعية و الحلم بفارس الأحلام الذي يهيمن هنا على كل الصورة وفي كلية وجوده في المجتمع .

   إن  الإرسالية الاشهارية توجه إلى أناس مجنسين ولا تني إرساليتنا هاته من مخاطبة فئة من النساء يتمتعن بمواصفات حددتها وأكدت عليها .

   إن المرأة بخروجها لعالم الشغل تمتعت بسلطة قضيبية " فالوسية " جعلت منها محور عائلتها ومحيطها متناسية ذاتها واهتماماتها الشخصية ولا تجد من يذكرها بفراغها النفسي و" الهَوَوي" سوى فضاء البنك  ...العالم المفارق ...عالم جفاف العواطف الإنسانية ...الذي يمنح الزبونة لحظات تتلذذ بها كامرأة في النظام البنكي الأبيسي ، وهي تتلذذ موقعها كموضوع لنظرة الرجل.

بقلم :د. عبد النور إدريس

Abdennour.driss@gmail.com

    المراجع والهوامش:


[1]   - امبرطو إيكو" التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة و تقديم د. سعيد بنكراد ،المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء الطبعة الاولىسنة 2000 الصفحة: 11.

   - د.سعيد بنكراد "ولا يكف الحصان عن الصهيل" مجلة علامات العدد :7 ص: 37.[2]

   - نفس المرجع السابق، ص: 28.[3]

  - سامي أدهم ، إبستمولوجية المعنى والوجود، مركز الانماء القومي ، بيروت لبنان ،ص: 6.[4]

[5]   - رولان بارت" النقد والحقيقة " ترجمة وتقديم ابراهيم الخطيب مراجعة محمد برادة ، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ، الطبعة الاولى سنة 1985 الصفحة 22.

  

Repost 0
Published by arab-ewriters.over-blog.net - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

اتحاد كتاب الأنترنت العرب

  • : مدونة اتحاد كتاب الأنترنت العرب
  • مدونة اتحاد كتاب الأنترنت العرب
  • : اتحاد كتاب الأنترنت العرب مؤسسة تعنى بنشر الوعي بالثقافة الرقمية في أوساط المثقفين والكتاب والإعلاميين العرب
  • Contact

نموذج طلب عضوية الإتحاد

بحث

مواقع وأنشطة فروع الإتحاد

فرع  الأردن

فرع فلسطين

فرع المغرب 

تشبيك المواقع الإلكترونية



مدونة اتحاد كتاب الأنترنت العرب






مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية

روابط المواقع الالكترونية